ابن قيم الجوزية

462

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد اجتمع وهيب بن الورد ، وسفيان الثوري ، ويوسف بن أسباط . فقال الثوري : قد كنت أكره موت الفجاءة قبل اليوم . وأما اليوم : فوددت أني ميت . فقال له يوسف بن أسباط : ولم ؟ فقال : لما أتخوف من الفتنة . فقال يوسف : لكني لا أكره طول البقاء . فقال الثوري : ولم تكره الموت ؟ قال : لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا . فقيل لوهيب : أي شيء تقول أنت ؟ فقال : أنا لا أختار شيئا ، أحب ذلك إليّ أحبه إلى اللّه . فقبّل الثوري بين عينيه . وقال : روحانية ورب الكعبة . فهذا حال عبد قد استوت عنده حالة الحياة والموت . وقف مع اختيار اللّه له منهما . وقد كان وهيب - رحمه اللّه - له المقام العالي من الرضى وغيره . الثاني والأربعون : أن يعلم أن منع اللّه سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المحب عطاء ، وابتلاءه إياه عافية . قال سفيان الثوري : منعه عطاء . وذلك : أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم . وإنما نظر في خير عبده المؤمن فمنعه اختيارا وحسن نظر . وهذا كما قال : فإنه سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، ساءه ذلك القضاء أو سره . فقضاؤه لعبده المؤمن المنع عطاء ، وإن كان في صورة المنع ، ونعمة ، وإن كانت في صورة محنة . وبلاؤه عافية ، وإن كان في صورة بلية ، ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذّ به في العاجل . وكان ملائما لطبعه . ولو رزق من المعرفة حظا وافرا لعدّ المنع نعمة ، والبلاء رحمة . وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية . وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى . وكان في حال القلة أعظم شكرا من حال الكثرة « 1 » . وهذه كانت حال السلف . فالعاقل الراضي : من يعد البلاء عافية ، والمنع نعمة ، والفقر غنى . وأوحى اللّه إلى بعض أنبيائه : « إذا رأيت الفقر مقبلا ، فقل : مرحبا بشعار الصالحين . وإذا رأيت الغنى مقبلا ، فقل : ذنب عجّلت عقوبته » . فالراضي : هو الذي يعد نعم اللّه عليه فيما يكرهه ، أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه ، كما قال بعض العارفين : يا ابن آدم نعمة اللّه عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك فيما تحب . وقد قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وقد قال بعض العارفين : ارض عن اللّه في جميع ما يفعله بك . فإنه ما منعك إلا ليعطيك . ولا ابتلاك إلا ليعافيك . ولا

--> ( 1 ) هذا مناف كل المنافاة للفطرة وسننها التي لا تتبدل . ومناف كذلك لما كان عليه رسل اللّه ، وخاتمهم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد كانوا ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يسأل اللّه العافية . ويتعوذ به من البلاء ومن الجوع والفقر إلا إليه . وحال الصوفية في كل زمان على عكس ذلك . إذ يرثون من الهنود رسومهم وطقوسهم ضد ما يورث رسل اللّه من الحكمة والهدى والسداد والرشاد .